مجال البيظان تحت وصاية بني حــــــــسان خلال القرن 19 .

         المبحث الأول : المشهد القبلي بالبلاد البيضانية .

    تعد حرب شرببة[1] حدثا هاما في تاريخ التوازنات القبلية بالمجال البيضاني ، لما سيترتب عنها من إزاحة العنصر الصنهاجي[2] و بشكل نهائي من قمة الهرم السياسي القبلي ، و حلول القبائل الحسانية بدل منها في هذا المركز ، فرغم أن البعض حاول أن يربط هذه الحرب بمسببات دينية محضة متمثلة في امتناع أحدهم عن دفع الخراج الذي كانت حركة ناصر الدين[3]  قد فرضتها على القبائل من صنهاجة و حسان ، مما دفع هذا الشخص إلى الاستنجاد بحسان الذين كانوا يترصدون لناصر الدين ، فقامت الحرب ، و التفت صنهاجة حول ناصر الدين ، و بعد الهزيمة فرضت حسان سطوتها على البلاد .

     لكن هذا التحليل قد يجانب الحقيقة التاريخية ، إذ أن المصالح المادية كانت الدافع الأساسي وراء قيام هذه الحرب ، و كانت كذلك تعبير عن رفض صنهاجة للمضايقات الحسانية ، خصوصا و أن الفريقين تقاطعت مصالحهما ، و كذاك بعد أن بدأت حركة ناصر الدين ترفض التعامل مع النصارى ، مما هدد مصالح حسان و الممالك الزنجية جنوب النهر .

  على كل حال و بعد انجلاء الحرب ، و بعض أن وضع كل فريق السلاح ، كانت مجموعة من الأمور قد تغيرت ، أو وجب تغييرها ، إذ   أن الحرب دائما ما تعطي منتصرا واحدا ، الشيء الذي حصل مع بني حسان على حساب صنهاجة ، هذا المصطلح الذي سيختفي بعد الحرب لتظهر بعده لفظتي الزوايا و زناكة  ، فما هي المتغيرات السياسية و الإجتماعية التي أحدثتها حرب شرببة ؟

   على المستوى الاجتماعي أول تحول وقع هو أن الانتساب لحسان أصبح من دواعي الفخر و الاعتزاز ، إذ الملاحظ هو لجوء القبائل الصنهاجية لإعادة كتابة مشجرات أنسابها لأن النسب



[1] - شرببة ارتبطت بشخص يدعى بيبة بن أحمد أصور الصكاعي الذي طلب منه الإمام ناصر الدين الخراج  ، و هو من قبيلة تاشدبيت فامتنع ، و سميت الحرب شر ببة انظر

 ـ الخليل النحوي ، بلاد شنقيط المنارة و الرباط ...، م س ، ص 307 .

[2] - كما هو معروف فإن هذه البلاد كانت حكرا على صنهاجة إذ " صار ما بين بلاد البربر و بلاد السودان حجزا عليهم ، و اتخذوا اللثام خطاما تميزوا بشعاره بين الأمم " أنظر :

   ـ ابن خلدون عبد الرحمن ، العبر و ديوان المبتدأ و الخبر في أيام العرب و العجم و البربر و من عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر ، ضبط المتن و وضع حواشيه و فهارسه خليل شحادة ، بيروت ، 1989 ، ط 1 ، ج 6 ، ص 241 .

[3] -  هو أبوك بن ألفغ أبهم الديماني ، الشمشوي ، أول قائد للزوايا في حرب شرببة و منظر قيامها أنظر

 ـ محمد الأمين ولد سيدي أحمد ، السلطة و الفقهاء في إمارة الترارزة ، م س  ، ص 84 .
 

الجديد أصبح هو النسب الأكثر حظوة[1]  ، كما ترسخت عقب ذلك اللغة العربية ، لأن ثقافة الغالب غالبا ما تصبح ثقافة المغلوب مع مرور الوقت ، فأصبحت اللهجة الحسانية هي وسيلة التعبير الأولى و الوحيدة من واد نون شمالا إلى نهر السنغال جنوبا . إذن يمكن اعتبار اللهجة الحسانية مظهرا من تمظهرات السيطرة العربية على المجال البيضاني .  

    كما ظهر إلى الوجود تراتبية اجتماعية احتفظت من خلالها كل مجموعة بميزات ميزتها عن المجموعة الأخرى ، البعض جعل هذا التقسيم يستند إلى معطيات عرقية ، و البعض الآخر إلى معطيات و ركائز وظيفية ، على كل حال وجد في المجتمع البيضاني طبقات اجتماعية عنت كل واحدة بوظيفة معينة ، محافظة على أكبر قدر ممكن من الانسجام مع الطبقة الأخرى  .

 

·        المحاربين ( العرب أو حسان ) :

     تحمل هذه الفئة مجموعة من الأسماء ، كالعرب أو حسان ، تحتكر هذه الفئة سلطة القوة ، و تعيش على ما تدفعه لها الفئات التابعة ، و أن رزقهم على أسنة رماحهم[2]،  إذ جعلوها ديدنا يربون عليها أطفالهم[3] ، و هذه الفئة نفسها تنقسم هي الأخرى إلى تراتبية ، إذ أن المغافرة يحتلون الصدارة داخل هذه الفئة ، مما تجدر الإشارة له أيضا هو أن هذه الفئة لم تبق محصورة في إطار عرقي ضيق ، إذ نجد قبائل ذات أصول صنهاجية تنتمي لهذه الفئة ، و تضم بذلك هذه الفئة بعض قبائل لمتونة كإداوعيش[4] ، و تنقسم حسان بأرض شنقيط إلى أربعة أقسام و هم أولاد يحيى بن عثمان سكان أدرار ، , إدوعيش سكان تكانت ، و الترارزة سكان القبلة ، و البراكنة[5].  نكتفي بهذا القدر


[1] - سيدي عبد الرحمن العلوي ، القبائل الحسانية ، م س ، ص 82 .

[2] - لقد ذهب مجموعة كبيرة من فقهاء الزوايا إلى تكفير هذه الفئة نظرا لما تقوم به من عمليات سلب و نهب واسعة ضد القبائل غير التابعة لها ، خالقة بذلك جوا من انعدام الأمن و الإستقرار بالبلاد البيضانية ، إلى درجة أن أحدهم و هو الكصري بن محمد المختار حرم بيع الخيول و آلة الحرب للمغافرة الحسانيين . أنظر

  ـ محمد المختار ولد السعد ،الفتاوى و التاريخ دراسة لمظاهر الحياة الاقتصادية و الاجتماعية بموريتانيا من خلال فقه النوازل ، ط

  1 ، بيروت ، 2000 ، ص 95 ، نقلا عن الكصري بن محمد المختار ، النوازل ، نسخة بالمعهد العالي للدراسات و البحوث الاسلامية ، نواكشوط ،  رقم 2138 .

[3] - محمد الأمين ولد السعد ، م س ، ص 46 .

[4] - القاضي بي بن السالم ، موريتانيا الوقائع و الوفايات ذكر الحروب و الإغارات ، م س ، ص 27 .

 إدوعيش : هي قبيلة تنحدر من أصل لمتوني ، أسست إمارة قوية في تكانت بعد أن هزمت سنة 1788 م تحالف المغافرة ، لتكون بذلك الإمارة الوحيدة في المجال البيضاني ذات الأصول غير المغفرية ، أنظر :

   ـ محمد الأمين ولد السعد ، م س ، ص 89 .

[5] - أحمد بن الأمين الشنقيطي ، الوسيط في تراجم أدباء شنقيط ، م س ، ص 480 :

     و الملاحظة المثيرة للإهتمام أن صاحب الوسط أدخل إدوعيش في عداد حسان ، و لم يذكر البرابيش و أولاد دليم ، و ذلك راجع في إعتقادنا أنه فضل أن يورد حسان أصحاب الإمارت و من سار على نهجهم . و لمعرفة قبائل حسان أكثر ، يرجى العودة إلى :

    ـ المختار ولد حامد ، موسوعة حياة موريتنايا التاريخ السياسي ، م س ، ص ص 95 / 177 .
 
فيما يخص المحاربين  نظرا لكون الإمارات التي سوف يؤسسونها ستكون موضوع مبحثين قادمين. 

·        الزوايا :

   بتسكين الزاي ، يقول صاحب الوسيط معرفا هذه الفئة ، و هو المطلع على خبايا الأمور و تاريخ المنطقة ، بحكم الانتماء " إن لفظة الزوايا صار علما على قبائل كثيرة ، أغلب سيرها في تعلم  العلم و تعليمه ، و تعمير الأرض بحفر الآبار و تسيير القوافل ، و قرى الضيف "[1]  ، و يبدوا هذا الدور الذي تلعبه هذه الفئة أكثر نبلا ، و شرف لا يضاهيه شرف ، إذ كانوا حملة العلم و الدين في هذه البلاد قاطبة قديما و حديثا ، لا ينازعهم في ذلك طائفة من طوائفها[2]  و يضيف


[1] -  أحمد الأمين الشنقيطي ، الوسيط في تراجم أدباء شنقيط ... ، م س ، ص 478 .

[2] - الخليل النحوي ، بلاد شنقيط المنارة و الرباط ...، م س ، ص 34 .
 

صاحب الوسيط في ذكر شيمهم  " و يحمد من أمرهم عدم شهادة الزور ، و التحرج من مال الغير، و التعليم و الإمامة يكونان مجانا عندهم "[1]  ، و مما يعاب عليهم حسب نفس المصدر " و من العجيب أن الزوايا على ديانتهم و علمهم ، أهل حقد على بعضهم ، فترى القبيلة إذا وقعت حرب بينهما لا تنمحي أضغانها من الصدور ، بخلاف حسان فإن الطائفتين المتحاربتين منهم بعد قليل صارتا يدا واحدة "[2]  .

    قد تكون هذه الشهادة من الحقائق التاريخية التي منعت الزوايا من التكتل من جديد بعد مغامرة ناصر الدين ، و من بين قبائل الزوايا نجد قبيلة كنتة صاحبة المكانة المميزة داخل فئة الزوايا ، لما لعبته كما أبرزنا من أدوار هامة تروم خدمة مشروع ديني محض .  مما تجدر الإشارة إليه و عند القيام بنظرة خاطفة للمجال البيضاني و تموقع الإمارات المغفرية به أو المتغفرة[3] ،  نلحظ أن قبائل الزوايا المتواجدة تحت نفوذها ضعيفة ، و غير ذات شوكة ، بينما إذا تتبعنا مناطق نفوذ قبائل الزوايا القوية كتجكانت و كنتة ، نجدها غير خاضعة لنفوذ أي إمارة مغفرية و لعل السبب يرجع إلى " أن زوايا القبلة ( الواقعة تحت النفوذ المغفري ) أفرغوا جذوة حدتهم في معارك شرببة و معارك أخرى دارت بينهم ، فكانوا بعدئذ حروبهم جدال و مناظرة ، لقد حلت الكلمة عندهم محل الفعل العنيف"[4] ، و بالتالي يمكن أن نميز في فئة الزوايا بين نموذجين اثنين من القبائل ، فئة خضعت للمغافرة و أصبحت تحت حكمهم بحكم الموقع الجغرافي ، مسلمة لهم بالسلطة السياسية ، و فئة لم تخضع لحسان بل كانت الند للند ، تتمسك بدورها الديني ، لكنها في نفس الوقت مستعدة للدفاع عن نفسها أمام أي طارئ ، و هي الفئة التي تنتمي لها قبيلة كنتة ، قبيلة الشيخ أحمد البكاي .

شكل إذن المحاربين و الزوايا رأس المجتمع البيضاني ، إن على المستوى السياسي أو الإجتماعي، مستمدين ذلك من القوة العسكرية بالنسبة لحسان ، و القوة الدينية بالنسبة للزوايا ، مما جعل باقي الفئات تقع تحت سيطرة هاتين الفئتين .

 

·        الفئات الغارمة :

و تتكون من مجموعة من الفئات بداية بزناكة و هم أحسن حظا ، و أرفع شأنا من باقي الفئات ، و يبدوا من الاسم أنه اللفظة القديمة لصنهاجة ، تهتم هذه الفئة بالإنتاج الفلاحي و الحيواني  ، وهي


[1] - أحمد بن الأمين الشنقيطي ، م س ، ص 478 .

[2]- نفسه .

[3] - المقصود هنا إدوعيش .

[4] - الخليل النحوي ، م س ، ص 25 .
 

تحت سلطة الفئتين السابقتين ، زوايا أو حسان ، و لعل المثل الشعبي الحساني " ازناكي ألا تحت الركاب و لا تحت كتاب "[1]   يلخص إلى حد كبير الوضعية التي كانت تعيشها هذه الفئة ، فهذه الفئة تحت حماية قبيلة زاوية ، أو تحت هيبة قبيلة حسانية ، إذ سخرتها الفئتين السابقتين للرعاية و تنمية الماشية[2]  ، و ينقسمون ( زناكة ) إلى ثلاث طبقات أعلاها اللحمة التي تفيد كثرة المال و حسن الخلق ، و أزناكة التي يعتبر أصحابها أقل مالا و أقل خلقا ، أما الرعيان فهم غير المالكين و كل عملهم بالأجرة[3] ، و يمكن القول أن هذه الفئة شكلت عصب الحياة الاقتصادية لما تقدمه من خدمات للمجتمع البيضاني ، و داخل الفئات الغارمة نجد كذلك أربع فئات أخرى إلى جانب زناكة، منهم الحراطين الذين يهتمون بالمجال الزراعي على وجه الخصوص ، و هم سود البشرة لكنهم ليسوا عبيد ، أو يمكن أن يكونوا عبيد محررين[4] ، لم تحض هذه الفئة بما تستحقه من الدراسة ، إذ يمكن أن تفك الغموض حول الأصول السوداء للمنطقة ، خصوصا و أن هذه الفئة تنتشر شمالا إلى حدود واحات المغرب الشرقي ، فهل هذه الفئة تمثل العنصر الزنجي الذي نزح منذ فترات متقدمة من التاريخ و عمر هذه الأرض ، إلى حدود وصول القبائل الأمازيغية و بعدها القبائل العربية ؟ ، مما جعلها تنكمش و تنحصر في الواحات و المناطق الفلاحية ، قد يحتاج هذا لسنوات من البحث و التنقيب .

    و تأتي خلف فئة الحراطين فئة المعلمين و هم الصناع التقليديون ، المهتمون بالصناعة ، مثل صنع الأواني المنزلية ، و الأدوات الحربية ، كما تأتي فئة إكاون ، و هم مطربوا و شعراء حسان، و خلف هؤلاء تأتي فئة العبيد ، و إسمهم يغني عن الشرح و التفصيل .

   ننتقل الآن للمعرفة المشهد السياسي البيضاني في تجليه الأميري ، من خلال الإمارت التي أنشأتها المجموعة الحسانية الأكثر تنفذا المغافرة ، لما بلغته هذه الإمارات من قوة و نفوذ ، و ما ستمثله عقب ذلك من مقاومة ضد التدخل الأجنبي بالبلاد . 



[1] - سيدي عبد الرحمن العلوي ، قبائل بني حسان ... ، م س ، ص 94 ، نقلا عن

- Abdel wadoud ould cheikh ; Nomadisme islam et pouvoire politique dans la société Maure précolonilae .

[2] - الخليل النحوي ، بلاد شنقيط المنارة و الرباط ...، م س ، ص 37 .

[3] - محمد الأمين ولد سيدي أحمد ، السلطة و الفقهاء في إمارة الترارزة ...، م س ، ص 47 .

[4] - سيدي عبد الرحمن العلوي ، م س ، ص 94 .
 

المبحث الثاني : المشهد السياسي بالبلاد البيضانية من خلال الإمارات الحسانية . 

     ترتب عن حرب شرببة إضافة إلى التداعيات الاجتماعية تداعيات سياسية و المتمثلة في قيام النظام الأميري البيضاني ، سنعالج في هذا المبحث كيفية نشوء الإمارات الحسانية ، و ما ترتب عن ذلك من تداعيات سياسية و اجتماعية ، و كيف تمكن بنو حسان من تغيير المنظومة السياسية بالبلاد جاعلين منطق الإمارة يفرض ذاته مع مرور الوقت . و كيف زاوج هؤلاء بين الفكر القبلي المترحل ، و الفكر الأميري المبني على الاستقرار ، بل و الأهم كيف اقتنع الإنسان الحساني من أن يزاوج بين الولاء لشيخ القبيلة و الولاء لأمير الإمارة ، كما سبقت الإشارة إليه بدأت الإمارات التي تربعت على جزء هام من المجال الترابي البيضاني في الظهور تدريجيا ابتداء من القرن 18 الذي كان بحق قرن تبلور و تركز النظام الأميري[1] .

 

·        إمارة الترارزة[2] :   

     تنتمي هذه الإمارة للفرع المغفري[3] الكبير ، و تتموقع بالجنوب الغربي للمجال البيضاني . برزت هذه الإمارة ككيان سياسي بعد القضاء على إمارة أولاد رزك[4]  على يد الأمير أحمد بن دامان بن عزوز بن مسعود بن موسى بن تروز[5] ، الذي أعطاه السلطان مولاي إسماعيل المحلة التي أفنى بها أولاد رزك و المحلة بمعنى العسكر و هذا بدء ملك الترارزة[6]  ، و بعد حروب طويلة سواء مع حلفائه في حرب أولاد رزق العروسيين ، أو مع المنافسين له من أبناء عمومته أولاد العربية[7] ، بدأت البشائر الأولى لقيام إمارة الترارزة ، على أن أكبر اختبار سوف تمر منه الإمارة يتمثل في حرب شرببة ( 167 ـ 1677 )[8] ، إذ تمكن الترارزة برفقة بني عمومتهم من براكنة و


[1] - محمد المختار ولد السعد ، الإمارات و المجال الأميري البيضاني خلال القرنين 18 و 19 إمراة الترارزة نموذجا ، منشورات حوليات كلية الآداب و العلوم الإنسانية ، نواكشوط ، عدد 2 ، 1990 ، ص 36 .

[2] - نسبة لتروز بن هداج بن عمران بن عثمان بن مغفر بن أودي بن حسان  .

   ـ نفسه ، ص 39 .

[3] - المغافرة : قبائل يجمعها النسابون إلى مغفر بن أدي بن حسان ، زحفت هذه القبائل من جنوب المغرب بداية من القرن 14 م ، و أسسوا بالبلاد البيضانية إمارات الترارزة و البراكنة و أولاد يحيى بن عثمان و أولاد امبارك .

   ـ محمد فال بن بابه العلوي ، كتاب التكملة في تاريخ إمارتي البراكنة و الترارزة ، م س ، هامش 1 ، ص 22 .

[4] - أولاد رزك : ذرية رزك بن أدي بن حسان و هم أول الحسانيين دخولا إلى الجنوب الغربي الموريتاني ، حكموا في هذه المنطقة من القرن 14 م إلى القرن 17 م إذ قضت عليهم الترارزة

   ـ محمد فال بن بابه العلوي ، م س ، هامش 18 ص 25.

[5] - محمد الأمين ولد السعد ، م س ، ص 104 .

[6] - أحمد بن الأمين الشنقيطي ، م س ، ص 481 .

[7] - محمد الأمين ولد السعد ، م س ، ص 105 .

[8] - محمد الأمين ولد سيدي أحمد ، م س ، ص 113 .
 

أولاد يحيى بن عثمان و أولاد مبارك ، من إلحاق الهزيمة بحلف تشمشه[1]  الصنهاجي بزعامة ناصر الدين ، و بسط  سيطرة شبه مطلقة على بلاد القبلة[2]  رفقة البراكنة ، و منذ ذلك العهد و إمارة الترارزة من أقوى الإمارات الحسانية ، و إن كانت علاقتها مع جيرانها[3]  اتسمت في غالب الأحيان بالتوتر الشديد ، و يعد الأمير علي شنظورة[4]  أهم شخصية سياسية ركزت هيبة الإمارة ، و عملت على تنظيمها و كسر شوكة أعدائها ، فقد وقعت الإمارة في عهده بين كماشة قوية هددت وجودها ، تمثلت في أولاد دليم من الشمال ، و البراكنة من الشرق ، مما جعل أفق التوسع يضيق و يهدد التروزيين في معقل دارهم[5]  الشيء الذي جعل الترارزة ممثلين في أميرهم التوجه نحو المغرب طالبين الدعم سنة  1721م  فعادوا بجيش تمكنوا من خلاله رفع الضغط عن إمارتهم فأجلوا أولاد دليم شمالا و البراكنة شرقا ، بل أكثر من ذلك تجاوزوا النهر لحسم الصراع حول الحكم في فوتا[6] ، و بذلك يكون الترارزة قد لجأوا للمغرب مرتين ، على عهد المولى إسماعيل و حفيده سيدي محمد بن عبد الله .

  على كل حال و منذ هذا العهد رسخت الترارزة سيادتها على البلاد ، فأصبحت باقي الإمارات تدور في فلكها ، و بسطت وصايتها على ممالك الفوتا جنوب النهر ، و بذلك تمكن التروزيون من حجز مكان مهم لهم في الخارطة السياسية للبلاد البيضانية منذ هذا التاريخ ، و قد فتح بيت الإمارة التروزي الباب لأعداء الأمس من الزوايا ، فقام الأمير علي شنظورة بترسيخ سيادة هذه الفئة على الجانب الديني ، فقد اتخذ الأمير القاضي المختار ولد ألفغ موسى اليعقوبي قاضيا للإمارة ، و ابن رازكة العلوي[7]  مستشارا له ، في محاولة ولاء هذه الفئة ذات المكانة المميزة في الوسط البيضاني[8].



[1] - تشمشة : إسم يطلق على تحالف خماسي من قبائل الزوايا ، يعيش ببلاد الترارزة منذ ق 14 و يتكون من أولاد ديمان و إدشفغ و إدكبهني و إدوداي و إديقب .

  ـ محمد فال بن بابه العلوي ، م س ، هامش 16 ، ص 24 .

[2] -  القبلة : مصطلح جغرافي يطلق في موريتانيا على ولاية الترارزة وو البراكنة و إنشيري ، أي كل ما لاصق النهر .

  ـ نفسه ، هامش 86 ، ص 37 .

[3] - الإمارات الحسانية الأخرى ، و الإمارت السودانية جنوب النهر .

[4] - علي شنظورة : بن هدي بن أحمد بن دامان أمير الترارزة ما بين ( 1703 ـ 1726 ) ، أول من أقام علاقات تجارية منتظمة مع الأوروبيين .

 ـ محمد فال بن بابه العلوي ، م س ، هامش 36 ، ص 28 .

 [5]- محمد الأمين ولد سيدي أحمد ، م س ، ص 114 .

[6] - نفسه .

[7] - سيدي عبد الله بن محمد بن القاضي المعروف بإبن رازكة توفي سنة 1731 م رحل إلى المغرب في الوفد توجه للحصول على الدعم العسكري ، مدح السلطان محمد بن عبد الله .

  ـ محمد فال بن بابه العلوي ، م س ، هامش 105 ، ص 40 .

[8]- نفسه ، ص 115 .
 

    على كل حال تمكن التروزيون أن يحافظوا لأمارتهم على أكبر قدر ممكن من الاستقلالية ، و وقفوا في وجه التدخلات الفرنسية شمال النهر ، لكن الفرنسين و من خلال مبدئهم الاستعماري ( فرق تسد ) ، و نظرا للخلاف الذي قام داخل البيت التروزي تمكنت من فرض مرشحها لحكم الإمارة مقابل تنازل الترارزة عن أملاكهم جنوب النهر[1]  ، و يمكن إجمالا تقسيم تاريخ الإمارة إلى مرحلتين ، مرحلة التألق و الازدهار ( 1727 ـ 1860 ) و مرحلة الشقاق و التدهور ( 1860 ـ 1903 )[2]   و قد حاولت الترارزة الحفاظ على استقلالها ، و رغم أن حدودها مع الفرنسيين جنوب النهر طويلة ، إلا أن الفرنسيين لم يتمكنوا من النفوذ لداخل الإمارة إلا سنة 1903 .

  بما أن الشيخ أحمد البكاي توفي سنة 1865 م ، فبالتالي يمكن الحسم على أنه عايش فترة مهمة من تاريخ الإمارة القوي ، لكن البعد الجغرافي قد يكون حائلا بين اتصاله مع أمراء هذه الإمارة ، لكن لا نستبعد و المكانة العلمية للكنتيين أن تكون قد حصلت بين هؤلاء و الآخرين اتصالات ، خصوصا و أن مضارب كنتة قريبة من أعداء الإمارة اللذوذين ، البراكنة و إدوعيش ، و نظرا كذلك أننا داخل مجال صحراوي بدوي تنعدم فيه الحواجز الطبيعية التي قد تمنع الاتصال بين المجموعات البشرية .



[1] - سيدي عبد الرحمن العلوي ، القبائل الحسانية ، م س ، ص 126 .

[2]-  محمد الأمين ولد سيدي أحمد ، م س ، ص 116 .
 

إمارة البراكنة :

   تقع في شرق بلاد القبلة ، و تنتمي هي الأخرى إلى الفرع المغفري الكبير الذي يجمعها مع الترارزة و أولاد يحيى بن عثمان[1] ، و قد كانت الإمارة فيهم في عبد الله بن كروم بن بركني[2]  و يقول فيهم محمد اليدالي  :

          قضت حكمة الجبار بالفتح و النصر    لأولاد أم العز بالعـــــــــــز و الظفر

          من اختصهم رب الورى بين مغفر      ببذل الندى و العدل و الحلم و الصبر 

         فإن يك من حسان أصل جدودهم           قبيلا فليس الطين و الترب كالتبـــر[3]

 كان انفصال البراكنة عن الترارزة بعد انتصار حلفهم سنة 1630 على أولاد رزك عندما حاول الترارزة الاستئثار بالغنائم[4]  ، شاركت إلى جانب بقية المغافرة في حرب شرببه ، بل أكثر من ذلك فقد كانت فيهم الزعامة ، بزعامة بكار الغول ، لكن ما يأخذ عن هذه الإمارة الانقسامات التي دبت في صفوف البيت الأميري ، فانقسم البراكنة بين أولاد نغماش و أولاد السيد[5] .

و يعزي المهتمين بهذا المجال الضعف الذي وصلت له  بدأ عقب حملة على شنظورة عليهم بواسطة الجيش المغربي[6]  و منذ تلك الفترة 1721 بدأ الضعف ينخر جسم الإمارة التروزية .

 

إمارة إدوعيش :

  إذا كانت الإمارتين السابقتين تنتميان إلى حسان ، فإن هذه الإمارة تنمي إلى صنهاجة ، و تنتسب تحديدا إلى لمتونة و الظاهر أنهم من بقايا المرابطين[7] ، بل يمكن أن نطلق عليها البقية الباقية من صنهاجة بالبلاد ،  الميزة الثانية التي تميز هذه الإمارة عن الإمارتين السابقتين هي أنها كانت في علاقة مباشرة مع قبيلة الشيخ أحمد البكاي " كنتة " .

  لقد اتخذت هذه الإمارة من السلوك المغفري نمطا لحياتها[8]  و يمكن أن نرجع السبب الحقيقي وراء قيام الإمارة ، إلى أن المغافرة كانوا يذلون زعماء لمتونة التقليديين إلى أن وضع محمد بن


[1] - مؤسسي إمارة أدرار .

[2] - المختار ولد حامد ، م س ، ص 107 .

[3] - محمد فال بن بابه العلوي ، م س ، ص 30 .

[4] - محمد الأمين ولد سيدي أحمد ، م س ، ص 87 .

[5] - المختار ولد السعد ، م س ، ص 195 .

[6] - نفسه ، ص 88 .

[7] - الشيخ سيدي بابه بن البشيخ سيدي ، إمارتا إداوعيش و مشظوف ، دراسة في التاريخ السياسي الموريتاني ، دراسة و تحقيق أزيد بيه بن محمد محمود ، المعهد التربوي الوطني ، نواكشوط ، 2003 ، ص 61 .

[8] - محمد الأمين ولد سيدي أحمد ، م س ، ص 89 .
 

بنيوك بن أديك[1] لبنة الإمارة[2]  ، على كل حال تميز تاريخ هذه الإمارة الصنهاجية بكثير من الصراعات مع الإمارات المغفرية الأخرى ، و يعد الانتصار الذي حققته الإمارة في ما عرف حصار حنيكات بغدادة سنة 1778 م بداية حقيقة لكسر الهيمنة المغفرية على نفوذ إدوعيش[3] ، فرغم تناسي المغافرة مشاكلهم البينية ، و رغم أنهم ألقوا بكل ثقلهم من أجل كسر شوكة هذه الاتحادية ، إلا أن اللمتونيين حسموا الصراع لفائدتهم مستفيدين من زعامة قوية متمثلة في شخص محمد الشين بن بكار اللمتوني[4]  ، هذا فيما يخص علاقات الإدوعشيين مع المغافرة ، أما علاقات إدوعيش مع كنتة فقد اتسمت بالتوتر ، فقد كانت كنتة تغط الغفر لأدوعيش على عظمتها لأن الزوايا لا يقدر أحد منهم أن يذهب بقافلة إلى السودان دون أن يكون يعطي الغفر لحساني[5]  ، و بالتالي فقد كان المورد الاقتصادي لكنتة تحت رحمة جيرانهم من جهة الغرب و الجنوب الغربي إدوعيش ، مما تسبب في حرب قامت بينهم كان سببها حسب صاحب الوسيط ، أنهم قتلوا اثنين من أبناء بكار زعيم إدوعيش[6] . و قد كانت إحدى قبائل الحلف الإدوعيشي ( إدولحاج ) دائمة العداوة مع كنتة[7]  مما تسبب في سلسلة متواصلة من الحروب بين القبيلتين  ، و طالت هذه الحروب كثيرا من الزمن و هي أكثر من حرب البسوس إذ تقرب من مائة عام و كانت الغلبة في أكثرها لإدولحاج على كنتة[8].

  على كل حال اتسمت العلاقة بين الطرفين بتوتر شديد يمكن أن نعزيه للعداء التاريخي بين مؤسس كنتة سيدي محمد الكنتي[9] ،  للمتونة رغم أنهم أخواله و تربى بينهم ، و يكون بذلك الكنتيون الأوائل بوعي أو بغير وعي المسؤولون عن قلب موازين القوى من صنهاجة إلى القبائل العربية[10]   مما أورث العداوة منذ ذلك الحين  و ترسبت ، مما جعل الكنتيين يحابون في كثير من الأوقات المغافرة على حساب اللمتونيين ممثلين في إمارة إدوعيش .



[1] - محمد بن بنيوك بن أديك : ينتهي نسبه بيحيى بن عمر اللمتوني و يشتهر باسم محمد خونا ، كان غاية في الشجاعة و التدبير ، نشأ والده في قبيلة إداوعلي ، متخفيا عن المغافرة ألا يفتكوا به ، و كانوا يهينون كل زعماء لمتونة :

  ـ المختار ولد حامد ، م س ، ص 183

[2] - نفسه .

[3] -  محمد الأمين ولد سيدي أحمد ، م س ، ص 89 .

[4]- نفسه .

[5] - أحمد بن الأمين الشنقيطي ، الوسيط ... ، م س ، ص 494 .

[6] - نفسه .

[7] - القاضي بي بن سليمان ، موريتانيا الوقائع و الوفايات ... ، م س ، ص 53 .

[8] - أحمد بن الأمين الشنقيطي ، م س ، ص 506 .

[9] -  سيدي محمد الكنتي الجد الثامن للشيخ أحمد البكاي . أنظر :

A . Aziz  . BATRAN ; op ; cité ; p 269. 

[10] - سيدي عبد الرحمن العلوي ، م س ، ص 71 .
 

 حروب كنتة على الطرف الغربي من حدودها لم تقف عند هذا الحد ، إذ يورد كل من صاحب الوسيط و القاضي بي بن سليمان الحروب التي دارت بين كنتة و جيرانها ، فكانت تارة مع تجاكانت[1] ،  و تارة أخرى مع الرعيان إحدى القبائل المستوطنة لولاتة[2]  ، و مع أولاد بن السبع[3]  بل امتد مجال صراعها القبلي  إلى أبعد من ذلك شمالا نحو مضارب الرقيبات إذ يورد صاحب جوامع المهمات إشارة غاية في الأهمية يقول "  فقام سيدي أحمد الكنتي و ادعى الإمارة و أن الناس تكون في طوعه ، و أن يسكن البلاد من السيبة ، فتبعته كنتة و لعويشات و أبناء يحيى بن عثمان ، و تقاتل مع أبناء أبي السباع و فروا منه و نزل على بئر أم كرين و حفرها و حفر العيون و غرس النخل و اطمأن هناك إلى أن مكث سنة  ...  و أغار عليه الرقيبات و أبناء أبي السباع و اقتتلوا معه قتالا شديدا إلى أن قتلوه و انهزم قومه "[4]  .

    من كل ما سبق يمكن أن نستشف أن الجهة الغربية لنفوذ كنتة قد شكلت لها على الدوام مثار قلق و إزعاج ، و لا أدل على ذلك كثرة الحروب و الإغارات التي خاضتها و في نفس الوقت عانت منها القبيلة ، تحت هذا الضغط البيضاني على هذه الجهة من نفوذ القبيلة لا نستغرب إذن ميلها نحو الجنوب ، مفضلة بذلك ربط علاقات وطيدة مع السودانيين ، متجاهلة بذلك أواصر القربى التي تربطها بجيرانها البيضانيين .

    و ما يمكن أن نخلص له أن الشيخ البكاي قد ورث عبئا ثقيلا ، متمثلا بالأساس في الوضعية السياسية التي يوجد عليها  المجال البيضاني الذي تنتمي له قبيلته ، فقد كانت علاقته بجيرانه البيضانيين من الجهة الغربية متوترة ، لكن يمكن أن نقول أن هذه العداوات كانت ذات أبعاد اقتصادية لما يتميز به المجال الصحراوي ، من شح و ندرة  ، تدفع بقاطنيه للإغارة ، بعضهم على بعض . لكن مما لا مراء فيه أن الجانب الروحي سوف يلعب دورا في التخفيف من وطأة هذه الوضعية ، خصوصا لما تحظى به فئة الأولياء و رجال الطرق الصوفية من مكانة مميزة في نفوس البيضانيين ، كيف و الحالة هاته أن  الشيخ البكاي يمثل رأس الطريقة القادرية الكنتية أم الطرق الصوفية في البلاد .



[1] - أحمد بن الأمين الشنقيطي ، م س ، ص 507 .

[2] - القاضي بي بن سالم ، م س ، ص 53 .

[3] - أحمد الأمين الشنقيطي ، م س ، ص 509 .

[4] - محمد سالم بن الحبيب بن الحسين بن يحيى ، جوامع المهمات في أمور الرقيبات ، تحقيق مصطفى ناعمي ، المعهد الجامعي للبحث العلمي ، الرباط ، 1992 ، ص 87 .

  و كانت هذه الأحداث سنة ( 1857 – 1858 ) حسب المحقق .

(0) تعليقات


Add a Comment



Add a Comment

<<Home