المبحث الأول : المشهد القبلي بالبلاد البيضانية .
تعد حرب شرببة[1] حدثا هاما في تاريخ التوازنات القبلية بالمجال البيضاني ، لما سيترتب عنها من إزاحة العنصر الصنهاجي[2] و بشكل نهائي من قمة الهرم السياسي القبلي ، و حلول القبائل الحسانية بدل منها في هذا المركز ، فرغم أن البعض حاول أن يربط هذه الحرب بمسببات دينية محضة متمثلة في امتناع أحدهم عن دفع الخراج الذي كانت حركة ناصر الدين[3] قد فرضتها على القبائل من صنهاجة و حسان ، مما دفع هذا الشخص إلى الاستنجاد بحسان الذين كانوا يترصدون لناصر الدين ، فقامت الحرب ، و التفت صنهاجة حول ناصر الدين ، و بعد الهزيمة فرضت حسان سطوتها على البلاد .
لكن هذا التحليل قد يجانب الحقيقة التاريخية ، إذ أن المصالح المادية كانت الدافع الأساسي وراء قيام هذه الحرب ، و كانت كذلك تعبير عن رفض صنهاجة للمضايقات الحسانية ، خصوصا و أن الفريقين تقاطعت مصالحهما ، و كذاك بعد أن بدأت حركة ناصر الدين ترفض التعامل مع النصارى ، مما هدد مصالح حسان و الممالك الزنجية جنوب النهر .
على كل حال و بعد انجلاء الحرب ، و بعض أن وضع كل فريق السلاح ، كانت مجموعة من الأمور قد تغيرت ، أو وجب تغييرها ، إذ أن الحرب دائما ما تعطي منتصرا واحدا ، الشيء الذي حصل مع بني حسان على حساب صنهاجة ، هذا المصطلح الذي سيختفي بعد الحرب لتظهر بعده لفظتي الزوايا و زناكة ، فما هي المتغيرات السياسية و الإجتماعية التي أحدثتها حرب شرببة ؟
على المستوى الاجتماعي أول تحول وقع هو أن الانتساب لحسان أصبح من دواعي الفخر و الاعتزاز ، إذ الملاحظ هو لجوء القبائل الصنهاجية لإعادة كتابة مشجرات أنسابها لأن النسب
[1] - شرببة ارتبطت بشخص يدعى بيبة بن أحمد أصور الصكاعي الذي طلب منه الإمام ناصر الدين الخراج ، و هو من قبيلة تاشدبيت فامتنع ، و سميت الحرب شر ببة انظر
ـ الخليل النحوي ، بلاد شنقيط المنارة و الرباط ...، م س ، ص 307 .
[2] - كما هو معروف فإن هذه البلاد كانت حكرا على صنهاجة إذ " صار ما بين بلاد البربر و بلاد السودان حجزا عليهم ، و اتخذوا اللثام خطاما تميزوا بشعاره بين الأمم " أنظر :
ـ ابن خلدون عبد الرحمن ، العبر و ديوان المبتدأ و الخبر في أيام العرب و العجم و البربر و من عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر ، ضبط المتن و وضع حواشيه و فهارسه خليل شحادة ، بيروت ، 1989 ، ط 1 ، ج 6 ، ص 241 .
[3] - هو أبوك بن ألفغ أبهم الديماني ، الشمشوي ، أول قائد للزوايا في حرب شرببة و منظر قيامها أنظر
الجديد أصبح هو النسب الأكثر حظوة[1] ، كما ترسخت عقب ذلك اللغة العربية ، لأن ثقافة الغالب غالبا ما تصبح ثقافة المغلوب مع مرور الوقت ، فأصبحت اللهجة الحسانية هي وسيلة التعبير الأولى و الوحيدة من واد نون شمالا إلى نهر السنغال جنوبا . إذن يمكن اعتبار اللهجة الحسانية مظهرا من تمظهرات السيطرة العربية على المجال البيضاني .
كما ظهر إلى الوجود تراتبية اجتماعية احتفظت من خلالها كل مجموعة بميزات ميزتها عن المجموعة الأخرى ، البعض جعل هذا التقسيم يستند إلى معطيات عرقية ، و البعض الآخر إلى معطيات و ركائز وظيفية ، على كل حال وجد في المجتمع البيضاني طبقات اجتماعية عنت كل واحدة بوظيفة معينة ، محافظة على أكبر قدر ممكن من الانسجام مع الطبقة الأخرى .
· المحاربين ( العرب أو حسان ) :
تحمل هذه الفئة مجموعة من الأسماء ، كالعرب أو حسان ، تحتكر هذه الفئة سلطة القوة ، و تعيش على ما تدفعه لها الفئات التابعة ، و أن رزقهم على أسنة رماحهم[2]، إذ جعلوها ديدنا يربون عليها أطفالهم[3] ، و هذه الفئة نفسها تنقسم هي الأخرى إلى تراتبية ، إذ أن المغافرة يحتلون الصدارة داخل هذه الفئة ، مما تجدر الإشارة له أيضا هو أن هذه الفئة لم تبق محصورة في إطار عرقي ضيق ، إذ نجد قبائل ذات أصول صنهاجية تنتمي لهذه الفئة ، و تضم بذلك هذه الفئة بعض قبائل لمتونة كإداوعيش[4] ، و تنقسم حسان بأرض شنقيط إلى أربعة أقسام و هم أولاد يحيى بن عثمان سكان أدرار ، , إدوعيش سكان تكانت ، و الترارزة سكان القبلة ، و البراكنة[5]. نكتفي بهذا القدر[1] - سيدي عبد الرحمن العلوي ، القبائل الحسانية ، م س ، ص 82 .
[2] - لقد ذهب مجموعة كبيرة من فقهاء الزوايا إلى تكفير هذه الفئة نظرا لما تقوم به من عمليات سلب و نهب واسعة ضد القبائل غير التابعة لها ، خالقة بذلك جوا من انعدام الأمن و الإستقرار بالبلاد البيضانية ، إلى درجة أن أحدهم و هو الكصري بن محمد المختار حرم بيع الخيول و آلة الحرب للمغافرة الحسانيين . أنظر
ـ محمد المختار ولد السعد ،الفتاوى و التاريخ دراسة لمظاهر الحياة الاقتصادية و الاجتماعية بموريتانيا من خلال فقه النوازل ، ط
1 ، بيروت ، 2000 ، ص 95 ، نقلا عن الكصري بن محمد المختار ، النوازل ، نسخة بالمعهد العالي للدراسات و البحوث الاسلامية ، نواكشوط ، رقم 2138 .
[3] - محمد الأمين ولد السعد ، م س ، ص 46 .
[4] - القاضي بي بن السالم ، موريتانيا الوقائع و الوفايات ذكر الحروب و الإغارات ، م س ، ص 27 .
إدوعيش : هي قبيلة تنحدر من أصل لمتوني ، أسست إمارة قوية في تكانت بعد أن هزمت سنة
ـ محمد الأمين ولد السعد ، م س ، ص 89 .
[5] - أحمد بن الأمين الشنقيطي ، الوسيط في تراجم أدباء شنقيط ، م س ، ص 480 :
و الملاحظة المثيرة للإهتمام أن صاحب الوسط أدخل إدوعيش في عداد حسان ، و لم يذكر البرابيش و أولاد دليم ، و ذلك راجع في إعتقادنا أنه فضل أن يورد حسان أصحاب الإمارت و من سار على نهجهم . و لمعرفة قبائل حسان أكثر ، يرجى العودة إلى :
· الزوايا :
بتسكين الزاي ، يقول صاحب الوسيط معرفا هذه الفئة ، و هو المطلع على خبايا الأمور و تاريخ المنطقة ، بحكم الانتماء " إن لفظة الزوايا صار علما على قبائل كثيرة ، أغلب سيرها في تعلم العلم و تعليمه ، و تعمير الأرض بحفر الآبار و تسيير القوافل ، و قرى الضيف "[1] ، و يبدوا هذا الدور الذي تلعبه هذه الفئة أكثر نبلا ، و شرف لا يضاهيه شرف ، إذ كانوا حملة العلم و الدين في هذه البلاد قاطبة قديما و حديثا ، لا ينازعهم في ذلك طائفة من طوائفها[2] و يضيف[1] - أحمد الأمين الشنقيطي ، الوسيط في تراجم أدباء شنقيط ... ، م س ، ص 478 .
صاحب الوسيط في ذكر شيمهم " و يحمد من أمرهم عدم شهادة الزور ، و التحرج من مال الغير، و التعليم و الإمامة يكونان مجانا عندهم "[1] ، و مما يعاب عليهم حسب نفس المصدر " و من العجيب أن الزوايا على ديانتهم و علمهم ، أهل حقد على بعضهم ، فترى القبيلة إذا وقعت حرب بينهما لا تنمحي أضغانها من الصدور ، بخلاف حسان فإن الطائفتين المتحاربتين منهم بعد قليل صارتا يدا واحدة "[2] .
قد تكون هذه الشهادة من الحقائق التاريخية التي منعت الزوايا من التكتل من جديد بعد مغامرة ناصر الدين ، و من بين قبائل الزوايا نجد قبيلة كنتة صاحبة المكانة المميزة داخل فئة الزوايا ، لما لعبته كما أبرزنا من أدوار هامة تروم خدمة مشروع ديني محض . مما تجدر الإشارة إليه و عند القيام بنظرة خاطفة للمجال البيضاني و تموقع الإمارات المغفرية به أو المتغفرة[3] ، نلحظ أن قبائل الزوايا المتواجدة تحت نفوذها ضعيفة ، و غير ذات شوكة ، بينما إذا تتبعنا مناطق نفوذ قبائل الزوايا القوية كتجكانت و كنتة ، نجدها غير خاضعة لنفوذ أي إمارة مغفرية و لعل السبب يرجع إلى " أن زوايا القبلة ( الواقعة تحت النفوذ المغفري ) أفرغوا جذوة حدتهم في معارك شرببة و معارك أخرى دارت بينهم ، فكانوا بعدئذ حروبهم جدال و مناظرة ، لقد حلت الكلمة عندهم محل الفعل العنيف"[4] ، و بالتالي يمكن أن نميز في فئة الزوايا بين نموذجين اثنين من القبائل ، فئة خضعت للمغافرة و أصبحت تحت حكمهم بحكم الموقع الجغرافي ، مسلمة لهم بالسلطة السياسية ، و فئة لم تخضع لحسان بل كانت الند للند ، تتمسك بدورها الديني ، لكنها في نفس الوقت مستعدة للدفاع عن نفسها أمام أي طارئ ، و هي الفئة التي تنتمي لها قبيلة كنتة ، قبيلة الشيخ أحمد البكاي .
شكل إذن المحاربين و الزوايا رأس المجتمع البيضاني ، إن على المستوى السياسي أو الإجتماعي، مستمدين ذلك من القوة العسكرية بالنسبة لحسان ، و القوة الدينية بالنسبة للزوايا ، مما جعل باقي الفئات تقع تحت سيطرة هاتين الفئتين .
· الفئات الغارمة :
و تتكون من مجموعة من الفئات بداية بزناكة و هم أحسن حظا ، و أرفع شأنا من باقي الفئات ، و يبدوا من الاسم أنه اللفظة القديمة لصنهاجة ، تهتم هذه الفئة بالإنتاج الفلاحي و الحيواني ، وهي[1] - أحمد بن الأمين الشنقيطي ، م س ، ص 478 .
[2]- نفسه .
[3] - المقصود هنا إدوعيش .
تحت سلطة الفئتين السابقتين ، زوايا أو حسان ، و لعل المثل الشعبي الحساني " ازناكي ألا تحت الركاب و لا تحت كتاب "[1] يلخص إلى حد كبير الوضعية التي كانت تعيشها هذه الفئة ، فهذه الفئة تحت حماية قبيلة زاوية ، أو تحت هيبة قبيلة حسانية ، إذ سخرتها الفئتين السابقتين للرعاية و تنمية الماشية[2] ، و ينقسمون ( زناكة ) إلى ثلاث طبقات أعلاها اللحمة التي تفيد كثرة المال و حسن الخلق ، و أزناكة التي يعتبر أصحابها أقل مالا و أقل خلقا ، أما الرعيان فهم غير المالكين و كل عملهم بالأجرة[3] ، و يمكن القول أن هذه الفئة شكلت عصب الحياة الاقتصادية لما تقدمه من خدمات للمجتمع البيضاني ، و داخل الفئات الغارمة نجد كذلك أربع فئات أخرى إلى جانب زناكة، منهم الحراطين الذين يهتمون بالمجال الزراعي على وجه الخصوص ، و هم سود البشرة لكنهم ليسوا عبيد ، أو يمكن أن يكونوا عبيد محررين[4] ، لم تحض هذه الفئة بما تستحقه من الدراسة ، إذ يمكن أن تفك الغموض حول الأصول السوداء للمنطقة ، خصوصا و أن هذه الفئة تنتشر شمالا إلى حدود واحات المغرب الشرقي ، فهل هذه الفئة تمثل العنصر الزنجي الذي نزح منذ فترات متقدمة من التاريخ و عمر هذه الأرض ، إلى حدود وصول القبائل الأمازيغية و بعدها القبائل العربية ؟ ، مما جعلها تنكمش و تنحصر في الواحات و المناطق الفلاحية ، قد يحتاج هذا لسنوات من البحث و التنقيب .
و تأتي خلف فئة الحراطين فئة المعلمين و هم الصناع التقليديون ، المهتمون بالصناعة ، مثل صنع الأواني المنزلية ، و الأدوات الحربية ، كما تأتي فئة إكاون ، و هم مطربوا و شعراء حسان، و خلف هؤلاء تأتي فئة العبيد ، و إسمهم يغني عن الشرح و التفصيل .
ننتقل الآن للمعرفة المشهد السياسي البيضاني في تجليه الأميري ، من خلال الإمارت التي أنشأتها المجموعة الحسانية الأكثر تنفذا المغافرة ، لما بلغته هذه الإمارات من قوة و نفوذ ، و ما ستمثله عقب ذلك من مقاومة ضد التدخل الأجنبي بالبلاد .
[1] - سيدي عبد الرحمن العلوي ، قبائل بني حسان ... ، م س ، ص 94 ، نقلا عن
- Abdel wadoud ould cheikh ; Nomadisme islam et pouvoire politique dans la société Maure précolonilae .
[2] - الخليل النحوي ، بلاد شنقيط المنارة و الرباط ...، م س ، ص 37 .
[3] - محمد الأمين ولد سيدي أحمد ، السلطة و الفقهاء في إمارة الترارزة ...، م س ، ص 47 .
المبحث الثاني : المشهد السياسي بالبلاد البيضانية من خلال الإمارات الحسانية .
ترتب عن حرب شرببة إضافة إلى التداعيات الاجتماعية تداعيات سياسية و المتمثلة في قيام النظام الأميري البيضاني ، سنعالج في هذا المبحث كيفية نشوء الإمارات الحسانية ، و ما ترتب عن ذلك من تداعيات سياسية و اجتماعية ، و كيف تمكن بنو حسان من تغيير المنظومة السياسية بالبلاد جاعلين منطق الإمارة يفرض ذاته مع مرور الوقت . و كيف زاوج هؤلاء بين الفكر القبلي المترحل ، و الفكر الأميري المبني على الاستقرار ، بل و الأهم كيف اقتنع الإنسان الحساني من أن يزاوج بين الولاء لشيخ القبيلة و الولاء لأمير الإمارة ، كما سبقت الإشارة إليه بدأت الإمارات التي تربعت على جزء هام من المجال الترابي البيضاني في الظهور تدريجيا ابتداء من القرن 18 الذي كان بحق قرن تبلور و تركز النظام الأميري[1] .
· إمارة الترارزة[2] :
تنتمي هذه الإمارة للفرع المغفري[3] الكبير ، و تتموقع بالجنوب الغربي للمجال البيضاني . برزت هذه الإمارة ككيان سياسي بعد القضاء على إمارة أولاد رزك[4] على يد الأمير أحمد بن دامان بن عزوز بن مسعود بن موسى بن تروز[5] ، الذي أعطاه السلطان مولاي إسماعيل المحلة التي أفنى بها أولاد رزك و المحلة بمعنى العسكر و هذا بدء ملك الترارزة[6] ، و بعد حروب طويلة سواء مع حلفائه في حرب أولاد رزق العروسيين ، أو مع المنافسين له من أبناء عمومته أولاد العربية[7] ، بدأت البشائر الأولى لقيام إمارة الترارزة ، على أن أكبر اختبار سوف تمر منه الإمارة يتمثل في حرب شرببة ( 167 ـ 1677 )[8] ، إذ تمكن الترارزة برفقة بني عمومتهم من براكنة و[1] - محمد المختار ولد السعد ، الإمارات و المجال الأميري البيضاني خلال القرنين 18 و 19 إمراة الترارزة نموذجا ، منشورات حوليات كلية الآداب و العلوم الإنسانية ، نواكشوط ، عدد 2 ، 1990 ، ص 36 .
[2] - نسبة لتروز بن هداج بن عمران بن عثمان بن مغفر بن أودي بن حسان .
ـ نفسه ، ص 39 .
[3] - المغافرة : قبائل يجمعها النسابون إلى مغفر بن أدي بن حسان ، زحفت هذه القبائل من جنوب المغرب بداية من القرن
ـ محمد فال بن بابه العلوي ، كتاب التكملة في تاريخ إمارتي البراكنة و الترارزة ، م س ، هامش 1 ، ص 22 .
[4] - أولاد رزك : ذرية رزك بن أدي بن حسان و هم أول الحسانيين دخولا إلى الجنوب الغربي الموريتاني ، حكموا في هذه المنطقة من القرن
ـ محمد فال بن بابه العلوي ، م س ، هامش 18 ص 25.
[5] - محمد الأمين ولد السعد ، م س ، ص 104 .
[6] - أحمد بن الأمين الشنقيطي ، م س ، ص 481 .
[7] - محمد الأمين ولد السعد ، م س ، ص 105 .
أولاد يحيى بن عثمان و أولاد مبارك ، من إلحاق الهزيمة بحلف تشمشه[1] الصنهاجي بزعامة ناصر الدين ، و بسط سيطرة شبه مطلقة على بلاد القبلة[2] رفقة البراكنة ، و منذ ذلك العهد و إمارة الترارزة من أقوى الإمارات الحسانية ، و إن كانت علاقتها مع جيرانها[3] اتسمت في غالب الأحيان بالتوتر الشديد ، و يعد الأمير علي شنظورة[4] أهم شخصية سياسية ركزت هيبة الإمارة ، و عملت على تنظيمها و كسر شوكة أعدائها ، فقد وقعت الإمارة في عهده بين كماشة قوية هددت وجودها ، تمثلت في أولاد دليم من الشمال ، و البراكنة من الشرق ، مما جعل أفق التوسع يضيق و يهدد التروزيين في معقل دارهم[5] الشيء الذي جعل الترارزة ممثلين في أميرهم التوجه نحو المغرب طالبين الدعم سنة 1721م فعادوا بجيش تمكنوا من خلاله رفع الضغط عن إمارتهم فأجلوا أولاد دليم شمالا و البراكنة شرقا ، بل أكثر من ذلك تجاوزوا النهر لحسم الصراع حول الحكم في فوتا[6] ، و بذلك يكون الترارزة قد لجأوا للمغرب مرتين ، على عهد المولى إسماعيل و حفيده سيدي محمد بن عبد الله .
على كل حال و منذ هذا العهد رسخت الترارزة سيادتها على البلاد ، فأصبحت باقي الإمارات تدور في فلكها ، و بسطت وصايتها على ممالك الفوتا جنوب النهر ، و بذلك تمكن التروزيون من حجز مكان مهم لهم في الخارطة السياسية للبلاد البيضانية منذ هذا التاريخ ، و قد فتح بيت الإمارة التروزي الباب لأعداء الأمس من الزوايا ، فقام الأمير علي شنظورة بترسيخ سيادة هذه الفئة على الجانب الديني ، فقد اتخذ الأمير القاضي المختار ولد ألفغ موسى اليعقوبي قاضيا للإمارة ، و ابن رازكة العلوي[7] مستشارا له ، في محاولة ولاء هذه الفئة ذات المكانة المميزة في الوسط البيضاني[8].
[1] - تشمشة : إسم يطلق على تحالف خماسي من قبائل الزوايا ، يعيش ببلاد الترارزة منذ ق 14 و يتكون من أولاد ديمان و إدشفغ و إدكبهني و إدوداي و إديقب .
ـ محمد فال بن بابه العلوي ، م س ، هامش 16 ، ص 24 .
[2] - القبلة : مصطلح جغرافي يطلق في موريتانيا على ولاية الترارزة وو البراكنة و إنشيري ، أي كل ما لاصق النهر .
ـ نفسه ، هامش 86 ، ص 37 .
[3] - الإمارات الحسانية الأخرى ، و الإمارت السودانية جنوب النهر .
[4] - علي شنظورة : بن هدي بن أحمد بن دامان أمير الترارزة ما بين ( 1703 ـ 1726 ) ، أول من أقام علاقات تجارية منتظمة مع الأوروبيين .
ـ محمد فال بن بابه العلوي ، م س ، هامش 36 ، ص 28 .
[6] - نفسه .
[7] - سيدي عبد الله بن محمد بن القاضي المعروف بإبن رازكة توفي سنة
ـ محمد فال بن بابه العلوي ، م س ، هامش 105 ، ص 40 .
على كل حال تمكن التروزيون أن يحافظوا لأمارتهم على أكبر قدر ممكن من الاستقلالية ، و وقفوا في وجه التدخلات الفرنسية شمال النهر ، لكن الفرنسين و من خلال مبدئهم الاستعماري ( فرق تسد ) ، و نظرا للخلاف الذي قام داخل البيت التروزي تمكنت من فرض مرشحها لحكم الإمارة مقابل تنازل الترارزة عن أملاكهم جنوب النهر[1] ، و يمكن إجمالا تقسيم تاريخ الإمارة إلى مرحلتين ، مرحلة التألق و الازدهار ( 1727 ـ 1860 ) و مرحلة الشقاق و التدهور ( 1860 ـ 1903 )[2] و قد حاولت الترارزة الحفاظ على استقلالها ، و رغم أن حدودها مع الفرنسيين جنوب النهر طويلة ، إلا أن الفرنسيين لم يتمكنوا من النفوذ لداخل الإمارة إلا سنة 1903 .
بما أن الشيخ أحمد البكاي توفي سنة
[1] - سيدي عبد الرحمن العلوي ، القبائل الحسانية ، م س ، ص 126 .
إمارة البراكنة :
تقع في شرق بلاد القبلة ، و تنتمي هي الأخرى إلى الفرع المغفري الكبير الذي يجمعها مع الترارزة و أولاد يحيى بن عثمان[1] ، و قد كانت الإمارة فيهم في عبد الله بن كروم بن بركني[2] و يقول فيهم محمد اليدالي :
قضت حكمة الجبار بالفتح و النصر لأولاد أم العز بالعـــــــــــز و الظفر
من اختصهم رب الورى بين مغفر ببذل الندى و العدل و الحلم و الصبر
فإن يك من حسان أصل جدودهم قبيلا فليس الطين و الترب كالتبـــر[3]
كان انفصال البراكنة عن الترارزة بعد انتصار حلفهم سنة 1630 على أولاد رزك عندما حاول الترارزة الاستئثار بالغنائم[4] ، شاركت إلى جانب بقية المغافرة في حرب شرببه ، بل أكثر من ذلك فقد كانت فيهم الزعامة ، بزعامة بكار الغول ، لكن ما يأخذ عن هذه الإمارة الانقسامات التي دبت في صفوف البيت الأميري ، فانقسم البراكنة بين أولاد نغماش و أولاد السيد[5] .
و يعزي المهتمين بهذا المجال الضعف الذي وصلت له بدأ عقب حملة على شنظورة عليهم بواسطة الجيش المغربي[6] و منذ تلك الفترة 1721 بدأ الضعف ينخر جسم الإمارة التروزية .
إمارة إدوعيش :
إذا كانت الإمارتين السابقتين تنتميان إلى حسان ، فإن هذه الإمارة تنمي إلى صنهاجة ، و تنتسب تحديدا إلى لمتونة و الظاهر أنهم من بقايا المرابطين[7] ، بل يمكن أن نطلق عليها البقية الباقية من صنهاجة بالبلاد ، الميزة الثانية التي تميز هذه الإمارة عن الإمارتين السابقتين هي أنها كانت في علاقة مباشرة مع قبيلة الشيخ أحمد البكاي " كنتة " .
لقد اتخذت هذه الإمارة من السلوك المغفري نمطا لحياتها[8] و يمكن أن نرجع السبب الحقيقي وراء قيام الإمارة ، إلى أن المغافرة كانوا يذلون زعماء لمتونة التقليديين إلى أن وضع محمد بن[1] - مؤسسي إمارة أدرار .
[2] - المختار ولد حامد ، م س ، ص 107 .
[3] - محمد فال بن بابه العلوي ، م س ، ص 30 .
[4] - محمد الأمين ولد سيدي أحمد ، م س ، ص 87 .
[5] - المختار ولد السعد ، م س ، ص 195 .
[6] - نفسه ، ص 88 .
[7] - الشيخ سيدي بابه بن البشيخ سيدي ، إمارتا إداوعيش و مشظوف ، دراسة في التاريخ السياسي الموريتاني ، دراسة و تحقيق أزيد بيه بن محمد محمود ، المعهد التربوي الوطني ، نواكشوط ، 2003 ، ص 61 .
بنيوك بن أديك[1] لبنة الإمارة[2] ، على كل حال تميز تاريخ هذه الإمارة الصنهاجية بكثير من الصراعات مع الإمارات المغفرية الأخرى ، و يعد الانتصار الذي حققته الإمارة في ما عرف حصار حنيكات بغدادة سنة
على كل حال اتسمت العلاقة بين الطرفين بتوتر شديد يمكن أن نعزيه للعداء التاريخي بين مؤسس كنتة سيدي محمد الكنتي[9] ، للمتونة رغم أنهم أخواله و تربى بينهم ، و يكون بذلك الكنتيون الأوائل بوعي أو بغير وعي المسؤولون عن قلب موازين القوى من صنهاجة إلى القبائل العربية[10] مما أورث العداوة منذ ذلك الحين و ترسبت ، مما جعل الكنتيين يحابون في كثير من الأوقات المغافرة على حساب اللمتونيين ممثلين في إمارة إدوعيش .
[1] - محمد بن بنيوك بن أديك : ينتهي نسبه بيحيى بن عمر اللمتوني و يشتهر باسم محمد خونا ، كان غاية في الشجاعة و التدبير ، نشأ والده في قبيلة إداوعلي ، متخفيا عن المغافرة ألا يفتكوا به ، و كانوا يهينون كل زعماء لمتونة :
ـ المختار ولد حامد ، م س ، ص 183
[2] - نفسه .
[3] - محمد الأمين ولد سيدي أحمد ، م س ، ص 89 .
[4]- نفسه .
[5] - أحمد بن الأمين الشنقيطي ، الوسيط ... ، م س ، ص 494 .
[6] - نفسه .
[7] - القاضي بي بن سليمان ، موريتانيا الوقائع و الوفايات ... ، م س ، ص 53 .
[8] - أحمد بن الأمين الشنقيطي ، م س ، ص 506 .
[9] - سيدي محمد الكنتي الجد الثامن للشيخ أحمد البكاي . أنظر :
A . Aziz . BATRAN ; op ; cité ; p 269.
حروب كنتة على الطرف الغربي من حدودها لم تقف عند هذا الحد ، إذ يورد كل من صاحب الوسيط و القاضي بي بن سليمان الحروب التي دارت بين كنتة و جيرانها ، فكانت تارة مع تجاكانت[1] ، و تارة أخرى مع الرعيان إحدى القبائل المستوطنة لولاتة[2] ، و مع أولاد بن السبع[3] بل امتد مجال صراعها القبلي إلى أبعد من ذلك شمالا نحو مضارب الرقيبات إذ يورد صاحب جوامع المهمات إشارة غاية في الأهمية يقول " فقام سيدي أحمد الكنتي و ادعى الإمارة و أن الناس تكون في طوعه ، و أن يسكن البلاد من السيبة ، فتبعته كنتة و لعويشات و أبناء يحيى بن عثمان ، و تقاتل مع أبناء أبي السباع و فروا منه و نزل على بئر أم كرين و حفرها و حفر العيون و غرس النخل و اطمأن هناك إلى أن مكث سنة ... و أغار عليه الرقيبات و أبناء أبي السباع و اقتتلوا معه قتالا شديدا إلى أن قتلوه و انهزم قومه "[4] .
من كل ما سبق يمكن أن نستشف أن الجهة الغربية لنفوذ كنتة قد شكلت لها على الدوام مثار قلق و إزعاج ، و لا أدل على ذلك كثرة الحروب و الإغارات التي خاضتها و في نفس الوقت عانت منها القبيلة ، تحت هذا الضغط البيضاني على هذه الجهة من نفوذ القبيلة لا نستغرب إذن ميلها نحو الجنوب ، مفضلة بذلك ربط علاقات وطيدة مع السودانيين ، متجاهلة بذلك أواصر القربى التي تربطها بجيرانها البيضانيين .
و ما يمكن أن نخلص له أن الشيخ البكاي قد ورث عبئا ثقيلا ، متمثلا بالأساس في الوضعية السياسية التي يوجد عليها المجال البيضاني الذي تنتمي له قبيلته ، فقد كانت علاقته بجيرانه البيضانيين من الجهة الغربية متوترة ، لكن يمكن أن نقول أن هذه العداوات كانت ذات أبعاد اقتصادية لما يتميز به المجال الصحراوي ، من شح و ندرة ، تدفع بقاطنيه للإغارة ، بعضهم على بعض . لكن مما لا مراء فيه أن الجانب الروحي سوف يلعب دورا في التخفيف من وطأة هذه الوضعية ، خصوصا لما تحظى به فئة الأولياء و رجال الطرق الصوفية من مكانة مميزة في نفوس البيضانيين ، كيف و الحالة هاته أن الشيخ البكاي يمثل رأس الطريقة القادرية الكنتية أم الطرق الصوفية في البلاد .
[1] - أحمد بن الأمين الشنقيطي ، م س ، ص 507 .
[2] - القاضي بي بن سالم ، م س ، ص 53 .
[3] - أحمد الأمين الشنقيطي ، م س ، ص 509 .
[4] - محمد سالم بن الحبيب بن الحسين بن يحيى ، جوامع المهمات في أمور الرقيبات ، تحقيق مصطفى ناعمي ، المعهد الجامعي للبحث العلمي ، الرباط ، 1992 ، ص 87 .
و كانت هذه الأحداث سنة ( 1857 – 1858 ) حسب المحقق .







